آراء


منير حداد

فئات ذائبة في الوطن

28/08/2026

المستشار منير حداد
الوعي الحضاري، يهيء الفرد لتذويب الإنتماء الفئوي في الولاء الوطني، متجرداً من صفاته مهما بلغت من رفعة وإحترام؛ لصالح أداء الواجب الوطني، حسب متطلباته المسؤولة أمام الله والضمير والقانون والشعب.
فالنسب والعقيدة وسواهما من قناعات راسخة، تحتفظ بقدسية رفعتها.. جوهراً.. بين المرء ونفسه، أما نتائج العمل.. الأعراض، فيتمها كاملة، من دون حساب العائدية الفرعية.. نسباً وعقيدة.
أقدم بهذا السياق للدخول في سرد قصة لقائي رجلاً عراقياً في أواخر السبعينيات من العمر، بادرني بالسلام وأنا أتناول آخر إفطار في الهوتيل، خلال سفرتي الحالية خارج العراق.
إستوقفني السبعيني الرازح على حافة الثمانينيات، وقور.. يتحدث بكياسة واعية.. تتفهم آليات الحوار وفق الأتيكيت الذي تستلزمه اللياقة الإجتماعية.
قال:
أنا قيادي بعثي قبل أن يسيطر صدام حسين، على الحزب.
كلام حمال أوجه، يرسل تأويلات عدة.. هل إستقال من (البعث) عندما إنحرف صدام بمبادئه (على علاتها) نحو إغتيال الأحزاب التي يفترض به التعاون معها تآزراً، لكنه ناصبها العداء.. وأحبط كثير من أهدافها التي ظل يدعيها من دون أن يلتزمها بل شتت المبدئيين عن المبادئ، وعمل.. ميدانياً.. بالضد مما يقول.
عموماً.. أسباب إستقالة الرجل من حزبه، بمقدم صدام... ربما ليس من شأني، وهو أكيد ليس شأني... لكن ما خصني به هذا البعثي السابق.. المغترب، هو مواصلته الحديث:
لا تهمني مجريات تنفيذك حكم الإعدام بصدام حسين، إنما تهمني أنت.. أحتمك لأنك رجل وطني تحب العراق بعقل أصيل وقلب ناصع ويد نظيفة معصومة من أية شبهة فساد.
أجبته بما يليق:
الوطن قيمة تسمو فوق كل إعتبار، نذيب إنتماءتنا الفئوية في الولاء للعراق.
أجواء الحوار، تلهج بتحييد فردانية المرء في حضرة الوطن؛ لأننا مثل رهط طير يحلق في فضاءات عراق الأنبياء والأولياء والعلماء والخيّرين.. بلد الثراء الذي يشوبه فساد كاسح.. مؤقت، يقف له دولة رئيس الوزراء علي الزيدي، بالمرصاد، ولسوف تدمغ نزاهة الوطنيين فساد المخربين؛ فتبدده وترديه شتاتاً، ويتجلى العراق الأمثل الذي يحتضن أبناءه بالرفاه والوثير والعيش رغداً إن شاء الله.. يتمتعون بحلال طيب من نضح ثرائه.
ختاماً.. للتاريخ أقولها، دوّنت إفادة صدام.. محققاً، وأصعدته الى المشنقة، بإحساس قاضٍ مجرد من حقد إعتقالي؛ حيث قضيت زهرة شبابي في طوامير الأمن العامة، وداخل المعتقل أتلقى أخبار إعدام أشقائي وأستاذي وسجن أخواتي.. مثل قطرات كوز يمور بالتيزاب.
تفتت قلبي من صدام، وتصدعت روحي، لكني لم أحنث بالقسم.. أقضي بالحق من دون إنحياز لكوني فيلياً أو سجيناً إضطهدته سياط جدران سجون الطاغية التي ضاقت بشبابي حتى بلغ الأسى عظم الترقوة يخنقني معزولاً عما آلت إليه حال أهلي.
قضيت بما يوجب القانونُ القضاءَ به، محيّداً حزن شبابي الذي سفحه صدام في المعتقلات، ومثلي آلاف المظلومين، لكن قدسية شرف القضاء، وولاءنا الوطني أبقى من مشاعرنا المكلومة، مهما أوجر بنا الظلم.

image image image

آراء من نفس الكاتب


المزيد
image
الرئيسية من نحن اتصل بنا الخدمات ارشیف الموسوعة

تنزيل التطبيق

image image

تابعونا على

الأشتراك في القائمة البريدية

Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group

image

اللائحة

الأقسام