كريم فرمان
29/06/2026
أ.د. كريم فرمان يقال إن الشعوب هي التي تصنع طغاتها، وحين يغيب وعي الأمة وتتبلد إرادتها، يصبح الطريق ممهداً لأي عابر ليعتلي العرش ويتحكم في المصائر. والتاريخ الإسلامي يزخر بالقصص التي تُثبت أن العزيمة الفردية، مستغلةً ضعف الوعي الجمعي، قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع؛ ولعل قصة "كافور الإخشيدي" هي النموذج الأبرز للعبد الذي حكم ملوكاً. ( من قاع العبودية إلى قمة العرش) بدأت الحكاية في سوق النخاسين بمصر، حيث وقف عبدٌ حبشيٌّ خصيّ، أسود اللون، دميم الخِلقة، مثقوب الشفة السفلى، ومشوه القدمين. كان كل شيء فيه يوحي بالانكسار، إلا عيناه وتطلعاته. في تلك الأيام المظلمة، سأل رفيقاً له في الأسر عن أمنيته، فقال الرفيق ببلادة، "أتمنى أن أُباع لطباخ، لآكل ما شئت متى شئت". أما كافور، فرفع نظره إلى قصور القاهرة وقال بيقين صادم: "أما أنا، فأتمنى أن أملك هذه البلاد!". دارت الأيام، واشتراه محمد بن طغج الإخشيد (مؤسس الدولة الإخشيدية). لفت كافور الأنظار بذكائه، حزمه، وحسن تدبيره، فأعتقه الإخشيد وقربه إليه وجعله قائداً للجيش. وحين مات الإخشيد، كان وعي النخبة والشعب غائباً أو عاجزاً عن إيجاد بديل قوي، فاستغل كافور الفراغ السياسي، وصار الوصي على أبناء الإخشيد الصغار، ثم الحاكم الفعلي لمصر والشام طيلة 23 عاماً. بلغ من هيبته أن الفاطميين كانوا يؤجلون غزو مصر خوفاً منه، ويقولون: "لن نستطيع فتح مصر قبل زوال الحجر الأسود". (المتنبي وكافور: صراع الطموح المتمرد والمدح الزائف). لم تكتمل أسطورة كافور السياسية إلا بحضور شاعر العرب ماليء الدنيا وشاغل الناس "أبو الطيب المتنبي" فقد وفد المتنبي إلى بلاط كافور في مصر طامعاً في أن يمنحه الإخشيدي ولاية أو ضيعة يحكمها، فبالغ المتنبي في مدحه أول الأمر تقرباً لسلطته. لكن كافور، بذكائه السياسي الماكر، أدرك خطورة المتنبي وطموحه السياسي، فرفض توليتها له خشية أن ينقلب عليه. حينها أدرك المتنبي أنه لن ينال شيئاً، فقرر الهرب من مصر في ليلة عيد الأضحى عام 962م، وقلب مدائحه السابقة إلى هجاء لاذع صار من عيون الشعر العربي، مستغلاً غياب وعي الشعب الذي يصفق لحاكم لمجرد قوته الظاهرية. .. سياط المتنبي تتحدى الحاكم المهاب... أطلق المتنبي قصيدته الدالية الشهيرة، التي لم يهجُ فيها كافوراً وحده، بل هجا فيها الحالة السياسية التي تسمح لخصيّ دميم أن يتحكم برقاب الرجال، وجاء فيها: عِيدٌ بِأَيَّة حال عدت يا عيد ؟ بِمَا مَضَى أَمْ بِأَمْرٍ فِيكَ تجديدُ؟ أَمَّا الأَحِبَّةُ فَالْبَيْدَاءُ دُونَهُمُ فَلَيْتَ دُونَكَ بِيداً دُونَهَا بِيدُ لَا تَشْتَرِ العَبْدَ إِلَّا وَالعَصَا مَعَهُ ،، إِنَّ العَبِيدَ لَأَنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ مَا كُنْتُ أَحْسَبُنِي أَحْيَا إِلَى زَمَنٍ ،، يُسِيءُ بِي فِيهِ كَلْبٌ وَهْوَ مَحْمُودُ جَاعَتْ خِصَاءُ مُلُوكٍ قَبْلَهُ فَبَكَتْ ،، وَأَكَلَتْ هَذِهِ الحَشَفَ المَطْرُودُ مَنْ عَلَّمَ الأَسْوَدَ المَخْصِيَّ مَكْرُمَةً ،، أَقَوْمُهُ البِيضُ أَمْ آبَاؤُهُ الصِّيدُ؟ ان العبرة التاريخية رغم أن كافور الإخشيدي أثبت مهارة سياسية فائقة، وحقق رخاءً اقتصادياً حتى قيل إن أصحاب الأموال لم يجدوا من يقبل زكاتهم، إلا أن قصته تظل شاهداً على حقيقة تاريخية: عندما يغيب وعي الشعب، وتسود السلبية، وتتراجع النخب، فإن صندوق الحكم يصبح متاحاً لمن يملك الإرادة والحيلة، بغض النظر عن خلفيته أو شرعيته. لقد صعد كافور لأن الساحة كانت فارغة من الوعي، فصار "العبد" سيداً، وبقي صديقه الطباخ أسيراً لبطنه. * كاتب واكاديمي من العراق وأستاذ القانون والنظم السياسية
تنزيل التطبيق
تابعونا على
الأشتراك في القائمة البريدية
Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group